مدينة الضالع.. عاصمة بلا دولة

مجال نت

 كتب: وضاح الأحمدي

حين تتحول العاصمة إلى ممر خطر، وحين يصبح العبور عبر قلب المحافظة أشبه بالمرور في "مثلث برمودا"، فالمشكلة لم تعد أمنية فحسب، بل أزمة دولة.

مدينة الضالع التي يُفترض أن تكون واجهة المحافظة ومركز إدارتها ومقدِّمة خدماتها، تعيش اليوم فراغاً مؤسسياً قاتلاً، فالشوارع بلا هيبة قانون، والمكاتب الحكومية إما غائبة أو تعمل بالحد الأدنى، والقرار لم يعد يصنعه منطق المؤسسة، بل منطق القوة.

لا أحد ينكر أن أبناء "مدينة الضالع" يعانون الفقر والجهل والتهميش أكثر من غيرهم، وهذا ما دفع بعضهم إلى الانزلاق نحو الجريمة، لكن لا يمكن إغفال حقيقة أخرى تؤكد أن ثمة متنفذين استثمروا هذا الفراغ، فحوّلوا المدينة إلى ساحة لتصفية الحسابات، ووظّفوا الفقر والأمية وغياب الدولة لتمرير أجنداتهم الخاصة.

النتيجة كانت قاسية: مواطن لا يجد من يشكو إليه، وتاجر لا يأمن على بضاعته، ومسؤول يخشى اتخاذ قرار فيفقد منصبه أو حياته، وفي غياب الدولة تنتصر الفوضى، والفوضى لا تفرّق بين ثائر وموظف ومواطن عادي.

في كل دول العالم تكون "العاصمة" هي المكان الأكثر أمناً وحضوراً لمؤسسات الدولة، إلا في الضالع فقد انقلبت المعادلة، وأصبحت العاصمة هي الحلقة الأضعف، وحيث يسود الضعف تكون الجريمة هي الفعل الأقوى وسيدة الموقف.

وأمام هذه المأساة لا يوجد إلا مسار واحد يتمثل في الإسراع بإعادة إدراج مدينة الضالع ضمن سلطة الدولة "وبالقوة"، وتفعيل كل مؤسساتها تفعيلاً حقيقياً لا شكلياً، وتحييد القرار السيادي عن المناطقية والتجاذبات السياسية، على أن ذلك يتطلب التفاف القوى المجتمعية والثورية حول هذا التوجه ودعمه، والضرب بيد من حديد على كل من يقف حجر عثرة في طريقه، وبدون ذلك سيظل الحديث عن استقرار المدينة مجرد شعارات.

الضالع بحاجة إلى قرار جمعي لا ينتمي لطرف ضد طرف، وإلى مشروع عام يعلو فوق الاستقطاب، مهمته الأولى استعادة المعنى الحقيقي لمسمى "العاصمة" بوصفها ملتقى الجميع وواجهة المحافظة وحاضنة مؤسسات الدولة.. قرار يعيد ضبط المدينة ويرصد تفاصيلها الشاردة والواردة، كي يُخرجها من هذه الورطة المخزية، قرار يمنع تحويل المدينة إلى حلبة صراعات مفتوحة لتصفية الحسابات.. والحق أقول لكم إن هذا "الاحتياج الضروري والمُلِحّ" لن يتحقق على النحو المأمول إذا لم يتم تفعيل العمل الاستخباراتي الوطني وجعله سياجاً قوياً تُدار في إطاره هذه "المهمة".

نعم، يقع اللوم الأكبر على أبناء مدينة الضالع الذين سكتوا أو تواطؤوا أو استفادوا مما يجري في "عاصمتنا جميعاً"، لكن تعليق كل شيء على شماعة "أبناء المدينة" وحده ليس عدلاً، فهناك فقر وسلاح وأيادٍ تعبث في الظلام، وهناك فراغ "تعمّد البعض إبقاءه".

ختاماً.. استعادة مدينة الضالع تبدأ باستعادة فكرة بسيطة: أن العاصمة ليست ملك أحد، وأن هيبة الدولة لا تتجزأ، وإذا بقيت الضالع خارج حسابات الدولة، فلن نخسر حيّاً أو شارعاً فقط، بل سنخسر المعنى الكلي للمحافظة.

الضالع لا تطلب معجزة، بل تطلب قراراً شجاعاً يقول بوضوح: هذه عاصمة، ومن هنا يجب أن تبدأ الدولة.. فلنجعلها كذلك قبل أن تتحول بالكامل إلى ذكرى مكان وإنسان.