الرابع عشر من أكتوبر المجيد.. ثورةٌ أنجبت الحرية ورجالٌ صنعوا مجد الاستقلال

كتب - علي نصر الطماح

 

قحطان الشعبي رائد الثورة السياسي، وفيصل عبداللطيف الشعبي مهندسها ودينامو حركتها، والصبيحة والجنوب حكاية شعبٍ لم ينحنِ للاستعمار.

 

في الرابع عشر من أكتوبر، لا تستيقظ الذاكرة على صوت الرصاص في جبال ردفان فحسب، بل تستعيد حكاية وطنٍ قرر أن ينتزع حريته من بين أنياب الاستعمار البريطاني، حكاية رجالٍ آمنوا أن الأوطان لا تتحرر بالأمنيات، وأن فجر الاستقلال لا يولد إلا من رحم التضحية والإرادة والإيمان بالحق.

من جبال ردفان، حيث ارتفعت راية الكفاح المسلح، بدأت صفحةٌ جديدة من تاريخ الجنوب؛ صفحةٌ كتبها الثوار بدمائهم، وسطرها الأحرار بمواقفهم، حتى تحولت شرارة الرابع عشر من أكتوبر 1963م إلى ثورةٍ وطنية امتدت ميادينها من الريف إلى قلب عدن، وانتهت برحيل آخر جندي بريطاني وإعلان الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967م.

- قحطان محمد الشعبي رائد الثورة وقائدها السياسي

لم يكن قحطان الشعبي مجرد اسمٍ في سجل الثورة، بل كان أحد أبرز الرجال الذين أسهموا في صياغة مشروعها السياسي، وجمع القوى الوطنية حول هدف التحرير، وقيادة الجبهة القومية التي حملت مسؤولية الكفاح المسلح حتى الاستقلال.

ذلك الرجل الذي خرج من وادي شعب بالصبيحة، وانتقل من حياة البساطة إلى ميادين العلم والعمل الوطني، لم ينسَ أرضه ولا قضية شعبه. حمل همّ الجنوب إلى المؤتمرات واللقاءات السياسية، ودعم جبهات القتال، وارتبط اسمه بمسيرة التحرير منذ مرحلة الإعداد للثورة حتى قيام الدولة المستقلة.

وفي الثلاثين من نوفمبر 1967م، أصبح قحطان أول رئيس لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ليمثل انتقال الجنوب من عهد الاستعمار إلى عهد الاستقلال.

- فيصل عبد اللطيف الشعبي عقل التنظيم ونبض الثورة وودينامو حركتها ومهندسها

إذا كان قحطان عنوانًا بارزًا للقيادة السياسية للثورة، فإن فيصل كان من أبرز مهندسي إعدادها وتنظيمها، ومن الرجال الذين أدركوا مبكرًا أن تحرير الجنوب يحتاج إلى تنظيمٍ محكم، وعملٍ سري، وإعدادٍ سياسي وعسكري، وربطٍ بين جبهات الريف والعمل الفدائي في عدن.

أسهم فيصل في تأسيس فرع حركة القوميين العرب، وشارك في بناء الجبهة القومية وترتيب صفوفها، وكان له دور بارز في تطوير العمل الفدائي ونقل المواجهة إلى قلب المستعمرة البريطانية.

لم تكن الثورة عنده مجرد لحظة غضبٍ عابرة، بل مشروعًا وطنيًا يحتاج إلى قيادةٍ واعية، وتخطيطٍ دقيق، ورجالٍ يعرفون متى يتحركون وأين يضعون أقدامهم.

وحين نذكر قحطان وفيصل، فإننا نستحضر مسيرةً نضالية متكاملة، جمعت بين الرؤية السياسية والعمل التنظيمي والميداني، وبين الحلم بالحرية والاستعداد لدفع ثمنها.

ومن هذه الأسرة المناضلة، التي ارتبط اسمها بتاريخ الصبيحة والجنوب، نذكر الشيخ عبد القوي محمد رشاد الشعبي، وعبد الحميد الشعبي، وهاشم الشعبي، وحميد الشعبي، وعلي محمد سالم الشعبي، وغيرهم من أبناء آل الشعبي الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرة العمل الوطني والنضال والعطاء.

إن ذكر هذه الأسماء ليس ترفًا في استعادة الماضي، بل وفاءٌ لرجالٍ يستحقون أن تُروى سيرهم، وأن تُجمع وثائقهم، وأن تتعرف الأجيال إلى ما قدموه في مراحل مختلفة من تاريخ الوطن.

لقد كانت الصبيحة جزءًا من حكايةٍ أكبر؛ حكاية الجنوب الذي أنجب مناضلين ومثقفين وقادةً سياسيين ورجالًا حملوا مسؤوليات وطنية في ظروفٍ بالغة الصعوبة. ولم تكن الصبيحة وحدها في ميدان التحرير، فقد شاركها أبناء ردفان والضالع ويافع وأبين وشبوة وعدن وحضرموت وسائر مناطق الجنوب، في نضالٍ جمعهم تحت راية مقاومة الاستعمار واستعادة الأرض والقرار.

وهنا تتجلى عظمة ثورة أكتوبر: لم تكن حكاية أسرةٍ واحدة، ولا قبيلةٍ واحدة، ولا منطقةٍ بعينها؛ بل كانت ملحمة شعبٍ تعددت مناطقه وأسماؤه، وتوحدت غايته في التحرر والاستقلال.

إن تاريخ ثورة أكتوبر أمانة في أعناقنا جميعًا؛ نقرأه بعناية، ونوثّق أحداثه، ونستحضر سير رجاله، وننصف كل من أسهم في مسيرة التحرير. فالتاريخ لا يُصان بالشعارات وحدها، بل بالبحث والتوثيق وحفظ الشهادات والوثائق، حتى تعرف الأجيال القادمة كيف صُنعت الحرية، وكم من التضحيات بُذلت في سبيلها.

وفي هذه الذكرى، نستحضر كذلك ما تعرض له قحطان وفيصل بعد الاستقلال من محنة الاعتقال، وما انتهت إليه حياتهما في ظروفٍ مأساوية؛ وهي صفحة مؤلمة من تاريخ الجنوب، تذكّرنا بأن تحقيق الاستقلال كان إنجازًا عظيمًا، وأن صون الدولة والوحدة الوطنية وتجنب الصراعات الداخلية مسؤولية لا تقل أهمية عن مقاومة الاستعمار.

يا أكتوبر المجيد، يا ذاكرة الأرض التي روتها دماء الشهداء، ويا راية الحرية التي ارتفعت فوق الجبال والمدن، ستبقى حاضرًا في وجدان الأجيال، ما بقي في الجنوب من يتذكر تضحيات رواده ويحفظ أسماء رجاله ويصون تاريخ نضاله.

سلامٌ على قحطان الشعبي، رائد الثورة وقائدها السياسي.

وسلامٌ على فيصل عبد اللطيف الشعبي، مهندس التنظيم والعمل الثوري.

وسلامٌ على راجح غالب لبوزة، وعلى كل شهيدٍ ومناضلٍ ومقاتلٍ ومواطنٍ أسهم في مسيرة التحرير.

وسلامٌ على الشيخ عبد القوي محمد رشاد الشعبي، وعبد الحميد وهاشم وحميد وعلي محمد سالم الشعبي، وعلى جميع المناضلين من أبناء الصبيحة والجنوب الأحرار، كلٌّ باسمه ومقامه وما قدمه للوطن.

رحم الله صُنّاع أكتوبر، وحفظ تاريخهم من الضياع، وجعل ذكرى الثورة عهدًا متجددًا بالوفاء لتضحياتهم، والتمسك بالحرية والكرامة، وبناء وطنٍ يتسع لجميع أبنائه.

المجد لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، والخلود لشهدائها، والتحية لكل من صنع فجر الاستقلال.

#ثورة_14_أكتوبر
#قحطان_الشعبي
#فيصل_عبداللطيف_الشعبي
#الصبيحة
#الجنوب