حين يصبح الغاز أزمة وطن.. فالمواطن من يدفع ثمن الاختناق
بعد بحث وتمحيصٍ في «ملفات صناعة الأزمات» التي أثقلت حياة المواطن، كان لا بد أن نتوقف عند أزمة لم تعد مجرد طوابير أمام محطات التعبئة، ولا مجرد أسطوانة غاز تبحث عنها أسرة منذ أيام، بل تحولت إلى معضلة يومية تتسلل إلى كل تفاصيل الحياة: أزمة الغاز المنزلي.
المفارقة الأكثر إيلامًا أن بلادنا ليست بلدًا غريبًا عن الغاز؛ فإنها تمتلك موارد وإنتاجًا من الغاز، ومع ذلك يجد المواطن نفسه عاجزًا عن توفير أسطوانة يطبخ بها طعام أطفاله. فكيف يمكن لمادة أساسية في حياة كل أسرة أن تتحول إلى سلعة نادرة؟ ومن يدفع ثمن هذا الغياب؟
معاناة المواطنين
في البيوت، تتوقف المطابخ أو تبحث الأسر عن بدائل أكثر كلفة ومشقة. وفي الشوارع، يقف سائقو الباصات في طوابير طويلة بحثًا عن الغاز، فيما عداد المصاريف لا يتوقف: وقود، صيانة، إيجار الباص الذي قد يصل إلى 18 ألف ريال يمني، ثم إيجار المنزل 500 ريال سعودي، ومصاريف الأسرة، وطلبات المدارس، وطلبات المعيشة التي لا تعرف التوقف.
ونجد سائق الباص الذي ينتظر ساعات أمام محطة الغاز لا يخسر وقته فقط، بل يخسر يومًا من رزقه، فيرتفع سعر الأجرة.
وهكذا تبدأ الأزمة من أسطوانة غاز، لكنها لا تنتهي عند المطبخ، بل تمتد إلى أجرة الباص، وأسعار النقل، وأسعار المواد الغذائية، وحتى لقمة العيش نفسها.
نجد أن المواطن الذي كان يدفع أجرة محددة تتراوح بين 200 و500 ريال يمني للانتقال من مكان إلى آخر، يجد نفسه أمام زيادة جديدة ما بين 700 و1000 ريال يمني. والسائق، بدوره، ليس مستفيدًا؛ فهو يواجه ارتفاع تكلفة التشغيل، وإيجار الباص، وطوابير الغاز، وغلاء قطع الغيار والمعيشة.
إنها دائرة مغلقة يدور فيها المواطن ويزداد إنهاكًا.
وفي الجهة الأخرى، يظهر دائمًا أولئك الذين يتغذون على الأزمات. «تجار الأزمات» لا يحتاجون إلى أزمة كبيرة؛ يكفيهم نقص بسيط في سلعة أساسية حتى يبدأ الاستغلال. فحين يختفي الغاز من السوق، تظهر السوق السوداء. وحين تطول الطوابير، يصبح الحصول على الأسطوانة امتيازًا لمن يستطيع دفع المزيد. وحين يضطر المواطن إلى شراء حاجته بسعر جنوني يصل إلى 18 ألفًا أو أكثر لدبة الغاز، يصبح الغلاء أمرًا مفروضًا عليه، لا خيار أمامه.
وهنا لا تعود القضية قضية غاز فقط، بل قضية كرامة مواطن وحقه في الحصول على أبسط مقومات الحياة. فالأم التي تقف عاجزة أمام مطبخها لا تفكر في الاقتصاد الكلي؛ هي تريد فقط أن تطهو وجبة لأطفالها. والأب الذي يخرج قبل الفجر ليبحث عن أسطوانة غاز يريد أن يعود إلى منزله وفي يده ما يكفي لإطعام أسرته. وسائق الباص لا يريد أن يرفع الأجرة على الركاب؛ هو يريد أن يغطي تكلفة يومه ويعود إلى بيته بما يكفي لإعالة أسرته.
لماذا أصبح المواطن يدفع ثمن أزمة لم يصنعها؟
فإذا كانت صناعة الأزمات قد أصبحت بابًا مفتوحًا للمتاجرة بمعاناة الناس، فإن إغلاق هذا الباب يبدأ من ضمان وصول أبسط حقوق المواطن إليه، دون أن يدفع المواطن ثمن فشل المنظومة بأكملها.
لأن المواطن لم يعد يحتمل أزمة جديدة؛ يكفيه أن الحياة نفسها أصبحت قائمة على الطوابير وعلى الأزمات.

