عشرات الآلاف من شهداء وجرحى الحدود باليمن.. مستحقات مجمدة وإجراءات نقل لا تطعم الجائعين

مجال نت

تقرير.موسى المليكي.

قبل سنوات، غادر آلاف اليمنيين منازلهم متجهين إلى جبهات الحدود وهم يحملون وعوداً بالرعاية والاهتمام، مؤمنين بأن تضحياتهم لن تُنسى مهما طال الزمن. بعضهم عاد بإصابات غيّرت حياتهم إلى الأبد، وآخرون عادوا محمولين على الأكتاف، تاركين خلفهم أسرًا تعيش اليوم واحدة من أقسى صور المعاناة الإنسانية في اليمن.

ومع استمرار الأزمة الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية، تجد آلاف الأسر نفسها اليوم في مواجهة الفقر والجوع والديون، بينما ما تزال عشرات الرواتب والمستحقات المالية الخاصة بجرحى وشهداء جبهات الحدود مجمدة دون صرف، في وقت تتواصل فيه إجراءات نقل ملفاتهم الإدارية إلى وزارة الدفاع اليمنية.

وخلال الأيام الماضية، تصاعدت المطالبات الموجهة إلى وزارة الدفاع اليمنية والجهات الشقيقة في التحالف العربي بسرعة الإفراج عن المستحقات المتأخرة، والتي تشمل نحو 30 راتباً لم تُصرف حتى الآن، رغم مرور فترة طويلة على استحقاقها.

الإعلامي العسيري وجّه مناشدة عاجلة دعا فيها إلى سرعة صرف هذه المستحقات قبل المضي في إجراءات نقل الشهداء والجرحى إلى ملاك وزارة الدفاع اليمنية، مؤكداً أن آلاف الأسر تعيش أوضاعاً معيشية مأساوية تحت ضغط الفقر وارتفاع الأسعار وانعدام مصادر الدخل.

وقال إن الاستمرار في الترتيبات الإدارية دون معالجة الملف المالي “لا معنى له بالنسبة للأسر التي لا تجد ما تأكله”، مشدداً على أن هذه المستحقات تمثل حقاً إنسانياً وأخلاقياً لا يمكن تجاهله.

أسر الشهداء.. معاناة لا تنتهي

في أحد الأحياء الشعبية بمدينة تعز، تعيش أم عبدالله مع أطفالها الأربعة داخل منزل صغير بالكاد يحميهم من حرارة الصيف.

زوجها قُتل قبل سنوات في جبهات الحدود، ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلة طويلة من المعاناة، كما تقول.

تضيف وهي تنظر إلى صورة زوجها المعلقة على الجدار:
“كان يقول لنا دائماً إن حقوقه محفوظة، لكننا اليوم لا نجد حتى قيمة إيجار المنزل”.

وتروي أن الأسرة كانت تعتمد بشكل كامل على راتب زوجها، لكن بعد مقتله تراكمت الديون واضطر أحد أبنائها لترك المدرسة والعمل لمساعدة العائلة.

وتقول بحزن كل مرة نراجع فيها الجهات المختصة يقولون انتظروا الإجراءات، لكن أطفال الشهيد لا يستطيعون انتظار الوعود.

وفي محافظة حضرموت، يروي والد أحد الشهداء أن أسرته لم تستلم المستحقات المتأخرة حتى اليوم، رغم مرور سنوات على مقتل ابنه.

ويقول ابني مات وهو يدافع عن الحدود، واليوم أسرته تعيش على مساعدات الناس”.

جرحى الحرب.. إصابات دائمة وحياة قاسية

المعاناة لا تقتصر على أسر الشهداء فقط، بل تمتد أيضاً إلى مئات الجرحى الذين عادوا من جبهات القتال بإصابات خطيرة وإعاقات دائمة.
في عدن، يتحرك الجريح أبو أنس بعكازين بعد إصابة أفقدته القدرة على الحركة الطبيعية.

يقول إن توقف المستحقات وتأخر الرواتب جعله عاجزاً عن توفير العلاج اللازم أو حتى تلبية احتياجات أسرته الأساسية.

ويضيف نحن لا نطلب صدقة، هذه حقوقنا. لدينا أسر وأطفال وديون، وهناك جرحى لا يستطيعون شراء الدواء”.

ويروي أن كثيراً من الجرحى يعيشون أوضاعاً مأساوية، حيث اضطر بعضهم لبيع ممتلكاته البسيطة أو الاستدانة لتغطية تكاليف العلاج والمعيشة.

أحد الجرحى الآخرين قال إن بعض رفاقه أصبحوا يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الإنسانية، بعدما فقدوا قدرتهم على العمل بسبب الإصابات.

“30 راتباً” تنتظر الإفراج

وبحسب ناشطين ومتابعين، فإن عشرات الآلاف من جرحى وشهداء الحدود ما تزال لهم مستحقات مالية متأخرة تشمل نحو 30 راتباً لم تُصرف حتى الآن.

ويقول ناشطون إن هذه الرواتب تمثل شريان الحياة الوحيد لكثير من الأسر التي فقدت معيلها أو تعتمد على جريح غير قادر على العمل.

ويرى مراقبون أن استمرار تجميد المستحقات، بالتزامن مع بدء ترتيبات النقل الإداري إلى وزارة الدفاع، أثار مخاوف واسعة لدى الأسر من ضياع الحقوق أو تأخرها لفترة أطول.

الإعلامي العسيري انتقد بشدة المضي في إجراءات النقل دون تسوية الملف المالي، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لصرف المستحقات وإنقاذ الأسر من الانهيار المعيشي.

وأضاف أن كثيراً من العائلات تعيش اليوم أوضاعاً مأساوية، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والإيجارات، بينما تغيب أي معالجات حقيقية.

أطفال الشهداء يدفعون الثمن

في إحدى قرى محافظة لحج، تجلس أرملة أحد الشهداء أمام منزلها الطيني وهي تحاول تهدئة أطفالها.

تقول إن أبناءها يسألونها باستمرار عن موعد صرف “حقوق والدهم”، لكنها لا تجد إجابة واضحة.

وتضيف أحياناً لا نجد ما نشتري به الطعام، ومع ذلك ما تزال المستحقات متوقفة”.

وتؤكد أن كثيراً من أسر الشهداء أصبحت تعتمد على الديون أو المساعدات المحدودة من الأقارب والجمعيات الخيرية.

“الحرب انتهت.. لكن المعاناة مستمرة

في محافظة أبين، يروي أحد الجرحى كيف تغيرت حياته بالكامل بعد الإصابة.

يقول إنه فقد القدرة على العمل بسبب إصابة في العمود الفقري، وأصبح يعيش مع أسرته في ظروف قاسية بعد توقف المستحقات.

وأضاف نجونا من الموت في الجبهة، لكننا اليوم نواجه الموت البطيء بسبب الفقر”.

ويشير إلى أن كثيراً من الجرحى يشعرون بأنهم تعرضوا للنسيان، رغم التضحيات التي قدموها خلال سنوات الحرب.

مطالبات بإنقاذ آلاف الأسر

ومع اتساع دائرة المعاناة، تتزايد الدعوات الموجهة إلى وزارة الدفاع اليمنية والجهات المعنية في التحالف العربي بسرعة صرف المستحقات المتأخرة قبل استكمال أي ترتيبات إدارية.

ويؤكد ناشطون أن الإفراج عن الرواتب المتوقفة يمكن أن ينقذ آلاف الأسر التي تعيش اليوم تحت ضغط الفقر والجوع والديون.

كما يطالب حقوقيون بوضع آلية واضحة تضمن عدم ضياع حقوق الجرحى وأسر الشهداء، إضافة إلى توفير برامج علاج ورعاية مستدامة للمصابين.

بين الجبهات والفقر.. معركة لم تنتهِ

وبين أرملة تحاول إطعام أطفالها، وجريح ينتظر ثمن دوائه، وأسرة شهيد تطرق أبواب الجهات المختصة منذ سنوات، تتكشف واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً في اليمن.

فهؤلاء الذين قاتلوا على الحدود أو فقدوا أبناءهم هناك، كانوا يعتقدون أن تضحياتهم ستقابل بالوفاء والرعاية، لكن كثيرين منهم يشعرون اليوم بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الجوع والفقر والنسيان.

ومع استمرار تجميد المستحقات وتأخر الحلول، يبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة أسر الشهداء والجرحى:
هل انتهت تضحياتهم عند حدود الحرب، أم أن معركتهم الحقيقية بدأت بعد العودة منها؟.