الثبات على المبدأ أساس نجاح الإعلام وفشل أصحاب المواقف المتقلبة.

مجال نت

بقلم - فضل القطيبي 

في عالم الإعلام والصحافة، لا تُقاس قيمة الإعلامي بعدد ظهوره أو كثرة منشوراته، بل تُقاس بمدى ثباته على مبادئه ومصداقيته أمام الناس. فالإعلام رسالة ومسؤولية وطنية وأخلاقية، وليس مجرد وسيلة لتحقيق المصالح أو التنقل بين المواقف وفقاً للظروف والمتغيرات.

لقد أصبحت الساحة الإعلامية اليوم تعاني من ظاهرة خطيرة تتمثل في بعض الأصوات التي تغيّر مواقفها بصورة مستمرة، فتراها تؤيد اليوم ما كانت تهاجمه بالأمس، وتهاجم غداً من كانت تمدحه قبل ساعات. هذا النوع من التلون الإعلامي لا يصنع إعلاماً حقيقياً، بل يخلق حالة من فقدان الثقة ويؤدي إلى تشويه الرسالة الإعلامية وتحويلها إلى أداة للمصالح الشخصية والمكاسب المؤقتة.

إن الاعتماد على صحفيين وإعلاميين متقلبين في مواقفهم يمثل خطراً على أي مؤسسة أو قضية أو مشروع وطني، لأن الشخص الذي يبيع موقفه أو يتخلى عن رفاقه من أجل مصلحة آنية، لن يتردد مستقبلاً في تغيير ولائه متى ما وجد مصلحة أكبر في الاتجاه الآخر. ومن يعتاد التلون لن يعرف معنى الوفاء أو الالتزام بالمبدأ، لأن بوصلته الحقيقية تكون مرتبطة بالمكاسب لا بالقيم.

في المقابل، يبقى الإعلامي الصادق والثابت على مواقفه هو الركيزة الأساسية لأي عمل إعلامي ناجح. فالثبات على المبدأ لا يعني رفض الاختلاف أو الجمود الفكري، بل يعني امتلاك موقف واضح لا يتغير بتغير المصالح والضغوط. وقد أثبتت التجارب أن الجماهير تحترم الإعلامي الذي يختلف معها بصدق أكثر من احترامها لمن يبدل مواقفه باستمرار سعياً لإرضاء الجميع.

كما أن المؤسسات الناجحة تدرك جيداً أن بناء إعلام قوي ومؤثر لا يتحقق عبر الأصوات المتلونة، وإنما عبر شخصيات تمتلك الشجاعة الأدبية والمهنية وتحافظ على مصداقيتها مهما كانت التحديات. فالإعلامي صاحب المبدأ قد يختلف معك في الرأي، لكنه يبقى محل احترام وثقة، لأنه لا يبيع قناعاته ولا يبدل مواقفه وفق اتجاه الرياح.

وفي ظل الظروف الحساسة التي تمر بها المجتمعات، تزداد الحاجة إلى إعلاميين يحملون همّ الحقيقة ويؤمنون برسالتهم الوطنية بعيداً عن المزايدات والانتهازية. فالكلمة الصادقة تبقى، أما المواقف المصطنعة والمتقلبة فإنها تسقط سريعاً أمام وعي الناس وذاكرة الشعوب.

إن الرهان الحقيقي يجب أن يكون دائماً على الإعلام الحر والمسؤول، وعلى الصحفيين الذين يضعون المبدأ فوق المصلحة، لأنهم وحدهم القادرون على صناعة الثقة وحماية الوعي العام من التضليل والفوضى الإعلامية.