الشظوة.. حشرة الربيع اليمني بين الموروث الغذائي ووشوشة الاندثار.
تقرير: موسى المليكي
مع أول هطولات المطر التي تعلن ولادة الربيع، يترقب أبناء اليمن في الريف موسمًا خاصًا لا يقل أهمية عن الزراعة: موسم "الشظوة" أو "الأرضة". حشرة صغيرة تخرج من باطن الأرض لتعيش أيامًا معدودة، لكنها تترك طعمًا في الذاكرة اليمنية لا يشبهه شيء.
ما هي الشظوة؟.
حشرة موسمية تظهر مع بداية فصل الربيع والأمطار، تعرف محليًا باسم "الشظوة" (أو الشضوية). تخرج من باطن الأرض في أماكن تُسمى "المقاديه"، ثم تطير لتعيش نحو 20 يومًا فقط. يُقبل السكان في تعز، أبين، والمناطق الوسطى على جمعها وشويها على النار، معتبرين إياها وجبة دسمة وغنية بالبروتين.
موسم مرتبط بالمطر والزراعة.
يقول المهندس عبدالقادر خضر السمطي، أحد المهندسين الزراعيين في مكتب الزراعة بمحافظة أبين:هذه الحشرة تأتي مع هطول الأمطار العزيزة في اليمن مع بداية فصل الربيع، يتعاقب الناس على اصطيادها وتجميعها، ويستبشرون بظهورها وهي تطير في الهواء."
وتتزامن الشظوة مع موسم زراعي يسمى محليًا "أيار"، حيث تبدأ زراعة الذرة الرفيعة والذرة الشامية (الهند البلدي) والذرة البيضاء (الغرب)، حسب طبيعة كل منطقة.
ذكريات لا تشيخ.
عبد إسماعيل (65 عامًا) يسترجع أيام الطفولة كنا نتسابق بعد هطول الأمطار إلى المقاديه، نقوم بملاحقة الشظوة رغم أنها تطير. لا تأتي إلا مرة في السنة، وفيها مادة من الدسومة، وكنا نأكلها مع الفطير المصنوع من الذرة."
الحاجة زين ناجي (70 عامًا) تضيف بحنين الشظوة شيء جميل جدًا، الكل كان يحب أكلها. أثناء شويها على النار مع الملح تخرج رائحة لذيذة جدًا، كنا نفضلها على اللحم. أما الآن لم يبق إلا القليل ممن يأكلونها."
مهيوب حميد الفارعي لم يقطع علاقته بهامازلت آكلها كل عام. حتى عندما كنت في السعودية، إن صادف عودتي موسمها أذهب مع أولادي لتلقيطها. كانت أيامًا جميلة.. الآن تجد الكثير يرفض أكلها."
أطفال يتمسكون بالموروث.
محمد جمال الصالحي (7 سنوات) يمثل جيلًا لا تثنيه التحذيرات أنا أحب الشظوة جدًا، رغم أن البعض يمنعنا ويقول إنها تسبب المرض. أنا آكلها وهي نية (حية)، ولست الوحيد، أصدقائي يحبون أكلها أيضًا."
ويصف حماسة الأطفال:
"نتسابق على أماكن تواجدها، وأحيانًا تحصل مضاربة بيننا على المقاديه، ثم نتسامح ونقوم بتلقيطها حتى نملأ المحلبية، ونتشاركها بعد الشوي."
ليست يمنية فقط.
أحمد صالح المفلحي يشير إلى أن أكل الشظوة ليس حكرًا على اليمن تأكلها قبائل أفريقية وتعتبرها من الممتلكات الأساسية، وهناك شركات تبيعها. السبب أنها تحتوي على نسبة عالية من البروتين والمواد الغذائية، مما يجعلها مغرية للزواحف والثدييات والطيور والبشر."
دورة الحياة.. مملكة تحت الأرض.
من الناحية العلمية، تعيش الشظوة في مستعمرات تشبه النمل:
الشغالات: إناث عقيمة، تعتني بالبيض والصغار.
الجنود: مزودون بأجزاء فمية تشبه المقص، مهمتهم حماية المستعمرة.
الحوريات: هي التي تنبت لها أجنحة وتطير، وتسمى بالشظوة.
وتتكون منها أسراب تخرج بحثًا عن أماكن جديدة، حيث تلتقي الذكور والإناث لتأسيس مملكة جديدة، وتتحول الأنثى إلى ملكة ضخمة متخصصة في وضع البيض.
لماذا تتراجع العادة؟.
رغم المكانة التي كانت تحتلها الشظوة في الموروث الغذائي اليمني، إلا أنها اليوم لم تعد تحظى بالإقبال نفسه. أسباب متعددة تقف وراء ذلك:
التحضر والتوسع العمراني.
تغير أنماط الأمطار بسبب التغيرات المناخية.
انزياح الأجيال الجديدة عن بعض الموروثات الغذائية التقليدية.
طعم لا يُنسى.
في زمن تتسارع فيه التحولات، تبقى الشظوة رمزًا موسميًا يحمل في جناحيه ذاكرة الجدات، وطفولة الحارات، وأيام البساطة التي كانت تكتفي بقطعة فطير وحشرة تُشوى على نار الحطب لتصنع فرحًا لا يقدر بثمن.

