عن الصخرة التي لم تنحنِ.. أحمد عبيد بن دغر

كتب / علي المحروق


في زحام الأحداث وتراكم الغبار على مرايا التاريخ، تظل هناك أسماء لا يزيدها الزمن إلا صفاءً، ومواقف لا يمحوها النسيان بل يخلدها الوجدان الشعبي. فالتاريخ ليس مجرد سردٍ للأيام، بل هو الغربال الذي يميز بين من وهبوا أعمارهم للأوطان، وبين من باعوها في مزادات المصالح الضيقة.
لقد علمتنا الأيام أن الحرية فجرٌ لا بد أن يبزغ مهما طال ليل العتمة، وأن الشعوب التي تنعم بالأمن والكرامة إنما تدين بذلك لرجالٍ صاغوا المجد بأحرفٍ من عرقٍ وتضحية. هؤلاء هم الذين وضعوا النقاط على حروف الدولة، فاستحقوا أن تُفرد لهم العناوين العريضة في ذاكرة المؤرخين. وفي المقابل، يلفظ التاريخ كل من ارتضى لنفسه دور "التابع" أو "المرتزق"، ليضعهم في المكان الذي يليق بهم: زوايا الهامش المظلمة.
حين نكتب تحت عنوان: من لنا بمثل بن دغر؟ فنحن نستحضر نموذجاً فريداً لرجلٍ اتسع قلبه بحجم وطن. الدكتور أحمد عبيد بن دغر؛ تلك الشخصية التي لم تكن المناصب يوماً إضافة لها، بل كان هو القيمة المضافة لكل منصب شغله.
منذ اللحظة الأولى التي وضع فيها قدمه على تراب هذا الوطن، كان الانتماء لديه فعلاً لا قولاً. وحين اعتلى سدة رئاسة الحكومة، لم يكن مجرد موظف بدرجة قيادية، بل كان ربان سفينة في بحرٍ متلاطم. يتذكره الشعب اليوم بحنينٍ إلى زمنٍ كان فيه للكلمة هيبة، وللقرار سيادة. لقد كان كالصخرة الصمّاء في وجه العواصف، هابه الخصوم قبل المحبين، لا سطوةً بل حنكةً وذكاءً سياسياً نادراً.
لم يأتِ هذا النبل من فراغ، فهو سليل حضرموت الأبية؛ الأرض التي لم تُعرف إلا بنشر السلام والقيم السامية في أقاصي الأرض (السند والهند). وبن دغر خير سفير لهذه الأخلاق الرفيعة؛ بشوش الوجه، عميق الأثر في النفوس، تشعر وأنت تجالسه أنك أمام مدرسة في الوطنية والكياسة.
إنه من أولئك الدهاة الذين لا تشغلهم صغائر الأمور عن كبريات القضايا، رجلٌ لم يتزحزح عن مبادئه، فاستحق أن ترفع له الأقلام تحيةً وإجلالاً.
ستبقى سيرة الدكتور بن دغر منارةً لكل من أراد أن يعرف كيف تُدار الدولة في زمن الأزمات، وكيف يظل القائد قريباً من نبض شعبه حتى وهو في قمة الهرم. إننا لا نمتدح شخصاً، بل نبحث عن ملامح الوطن في رجل.. فحقاً، من لنا اليوم بمثل بن دغر