اليمن أمام مفترق طرق: دولة الكفاءة أم سياسة المحاصصة؟

المجال نت

كتب/ ناجي مسيح

تمرّ اليمن في مرحلة سياسية شديدة الحساسية، مع بدء مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة عقب قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتكليف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة. وقد منح قرار التكليف رئيس الوزراء المكلّف صلاحيات واضحة لاختيار فريقه بما يتناسب مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول شكل الحكومة المقبلة ومعايير تشكيلها.
وفي هذا السياق، ترددت أنباء عن تشكيل لجنة برئاسة رئيس الوزراء المكلّف لفرز ملفات المرشحين واختيار الأكفأ بينهم، بالتوازي مع مطالبات شعبية وإعلامية واسعة بأن تكون الحكومة القادمة حكومة كفاءات وطنية، لا حكومة محاصصة سياسية. وتستند هذه المطالبات إلى قناعة راسخة بأن المحاصصة كانت أحد الأسباب الرئيسية لتعثر الحكومات السابقة، إذ حوّلت مجلس الوزراء من مؤسسة لإدارة شؤون الدولة وتقديم الخدمات، إلى ساحة صراع حزبي ومناطقي عطّل القرار وأضعف الأداء.
ويُفهم مفهوم الكفاءة، كما يطرحه أنصاره، بوصفه معيارًا شاملًا يقوم على الخبرة الإدارية، والقدرة القيادية، والالتزام بمؤسسات الدولة والدستور والقوانين النافذة، ووضوح الموقف من الجماعات الخارجة عن إطار الدولة، إضافة إلى العمل ضمن توجهات الحكومة بما يخدم المصلحة العامة. كما يشدد هذا التوجه على أهمية أن يكون الوزراء منخرطين في الواقع اليمني، قريبين من تحديات الداخل، لا مجرد شخصيات بعيدة عن الميدان.
ولا يتعارض اعتماد الكفاءة معيارًا لتشكيل الحكومة مع مراعاة العدالة في المشاركة الاجتماعية والجغرافية، متى ما فُهمت هذه العدالة باعتبارها ضمانًا لتكافؤ الفرص والمساواة في الوصول إلى مواقع القرار، وفي إطار شراكة وطنية عادلة في الثروة والسلطة، لا بوصفها تكريسًا للمناطقية أو العنصرية. فالدولة القوية هي التي توازن بين الكفاءة بوصفها شرطًا وظيفيًا، والتمثيل العادل بوصفه ضمانة للاستقرار والثقة الوطنية.
غير أن هذا المسار لم يخلُ من معوّقات، إذ عادت بعض الأحزاب السياسية للمطالبة بتكريس مبدأ المحاصصة في تشكيل الحكومة، دون أن تتحمل مسؤولية واضحة عن إخفاقات حكومات المحاصصة السابقة، مكتفية بإلقاء اللوم على رئاسة الدولة ومجلس القيادة الرئاسي والتحالف، بحجة أن الظروف السياسية والأمنية لا تسمح للحكومات بالعمل.
وفي جوهره، يعكس هذا المنطق سعيًا لإعادة ترتيب مواقع الأحزاب وحماية مصالحها، أكثر مما يعكس رغبة حقيقية في معالجة أزمات البلاد. وهو ما يعني عمليًا إعادة إنتاج الفشل نفسه، من دون مراجعة جادة أو مساءلة سياسية، في وقت لم يعد فيه الشارع اليمني يحتمل مزيدًا من التجارب غير المجدية.
إن الدعوة إلى حكومة كفاءات لا تعني إقصاء الأحزاب أو إلغاء دورها السياسي، بل تعني اعتماد منهجية واضحة وموضوعية في التشكيل الحكومي، تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية، خصوصًا في ظل واقع استثنائي يتسم بضعف مؤسسات الدولة، وتشتت القرار، وغياب القدرة على الاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر الانتخابات.

وقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن المحاصصة لم تُنتج مؤسسات فاعلة، ولا سياسات عامة قادرة على تلبية الحد الأدنى من تطلعات المواطنين. ولذلك، فإن ترسيخ مبدأ الكفاءة لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للأخذ والرد، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة، مع التأكيد على أن الانتماء الحزبي لا يُقصي صاحبه ما دامت كفاءته هي الأساس في اختياره.

واليوم، تقع على عاتق رئيس مجلس القيادة الرئاسي، فخامة الدكتور رشاد العليمي، مسؤولية تاريخية في دعم تشكيل حكومة كفاءات وطنية قادرة على العمل، وعدم الاستسلام لضغوط المحاصصة السياسية. كما تبرز أهمية أن تتقدم الحكومة ببرنامج واضح ومحدد، تنال على أساسه ثقة مجلس النواب، ويُتاح من خلاله تقييم أدائها ومحاسبتها.

فاليمن يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما المضي نحو دولة تُدار بعقل الكفاءة والمسؤولية، أو الاستمرار في سياسة المحاصصة التي لم تُنتج سوى العجز وتدوير الفشل.