المتقاعد.. رحلة البحث عن راتب لا يكفي للحياة، وكرامة ترهقها الحاجة
في عدن، لم تعد معاناة المتقاعد مرتبطة بقلة معاشه فقط، بل بالطريق الشاق للوصول إليه.
كل شهر تبدأ رحلة جديدة: أين سيكون الصرف؟ وأي منفذ سيستقبلهم؟ وأين سيقف كبار السن والمرضى لساعات انتظارًا لمبلغ قد لا يتجاوز 30 أو 40 ألف ريال؟
ففي مشهد مؤلم، يقف كبار السن الذين أنهكتهم سنوات العمل والعطاء، متنقلين بين الصرافات بحثًا عن راتبهم. فكل ثلاثة أشهر يجد المتقاعد نفسه أمام صرافة جديدة، يحمل معه أوراقه وتعبه، ويسأل: أين يُصرف الراتب هذه المرة؟
صرافة تتبعها أخرى، دون أن يعرف كثير من المتقاعدين سبب هذا التنقل المتكرر، بينما تتحول عملية استلام الراتب إلى رحلة شاقة تستنزف ما تبقى من طاقتهم وكرامتهم.
وما إن يصل المتقاعد إلى إحدى الصرافات حتى تبدأ معاناة أخرى؛ إذ تُصر بعض الصرافات على تسليمه راتبه من فئة المئتي ريال، وكأن الأمر مفروض عليه دون خيار. وعندما يسأل عن سبب إصرارهم على هذه الفئة تحديدًا، ولماذا يُلزم بها كل شهر، يأتيه الرد ذاته وبإصرار: «هذا ما تم إيداعه لنا من الجهة المسؤولة عن صرف رواتبكم».
لكن السؤال الذي يبقى عالقًا في أذهان المتقاعدين: لماذا هذا الإصرار على تسليم رواتبهم بهذه الفئة تحديدًا؟ ولماذا لا يُمنحون خيار استلامها بفئات نقدية أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم؟ أسئلة تتكرر مع كل عملية صرف، ولا يجد أصحابها لها إجابة واضحة.
وتستمر المشكلة وتزداد المعاناة، فبعض منافذ الصرف لا تملك المساحة لاستقبال هذه الأعداد، لكن المسؤولية تبقى في ضرورة إيجاد آلية منظمة ومستقرة، تضع احتياجات المتقاعدين في مقدمة الاعتبار.
فالمتقاعد لا يستجدي منهم، ولا يطلب صدقة؛ إنه يحصل على مستحق قضى سنوات عمره في العمل من أجلها. لا تجعلوا آخر سنوات خدمة الإنسان لوطنه تتحول إلى معاناة وانتهاك للكرامة.
ومن هم اليوم في مواقع القرار، عليهم أن يتذكروا أن المناصب عابرة، وأن الإنسان قد يجد نفسه غدًا في الجهة الأخرى من الطابور، وسيسقى الساقي بما سقى.
إن إنصاف المتقاعد، بجعله لا يحتاج إلى المستحيل، يحتاج فقط إلى نظام يحفظ حقه، ويختصر انتظاره، ويصون كرامته.

