مقالات
كل الطرق تؤدي إلى صنعاء.. معركة الخلاص ووحدة الصف الوطني
بقلم: نشوان نصر صحفي ومحلل سياسي
تدخل الحرب في اليمن مرحلة تبدو مختلفة عن سابقاتها، ليس فقط من حيث طبيعة التحركات العسكرية على جبهات القتال، وإنما من حيث المزاج الشعبي الذي بات أكثر وضوحًا في التعبير عن رغبته في إنهاء حالة الحرب المفتوحة، والتخلص من واقع الانقلاب والارتهان للمشروع الإيراني.
فبعد سنوات طويلة من الحروب والمواجهات والهدن المؤقتة، لم يعد اليمنيون يبحثون عن أنصاف الحلول أو عن حروب مؤجلة؛ بل يتطلعون إلى معركة خلاص وطنية تنهي أسباب الصراع وتعيد للدولة حضورها وسيادتها.
وفي هذا السياق، تبدو صنعاء الهدف السياسي والوطني الأبرز، لكن الوصول إليها لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مهمة عسكرية من اتجاه واحد. فاليمن بلد متنوع جغرافيًا واجتماعيًا، والجبهات المتعددة يمكن أن تتحول، متى ما توفرت الرؤية الموحدة، إلى عوامل ضغط متزامنة على جماعة الحوثي.
إن تعدد محاور المواجهة وتزامنها قد يمثل أحد أهم عناصر الضغط على جماعة الحوثي، خصوصًا إذا ترافقت العمليات العسكرية مع تحرك سياسي وإعلامي ومجتمعي متكامل. فالمعركة الوطنية لا يمكن أن تكون مسؤولية القوات المسلحة وحدها؛ العسكري يأتي في مرحلة التنفيذ، بينما تسبق ذلك إرادة شعبية وسياسية ومجتمعية تشكل البيئة الحقيقية للنصر وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الضعف لدى جماعة الحوثي: الحاضنة الشعبية.
فعلى الرغم من سنوات السيطرة الأمنية والضغط الاجتماعي ومحاولات إعادة تشكيل الوعي، فإن حالة السخط داخل مناطق سيطرة الجماعة لا تزال حاضرة، وتظهر في مواقف اجتماعية متفرقة وفي رفض قطاعات واسعة لسياسات التجنيد والحشد والزج بأبناء اليمن في حروب لا تخدم مصالحهم لكن تحويل هذا السخط إلى قوة وطنية فاعلة يحتاج إلى عمل منظم، لا إلى انتظار لحظة الانهيار.
فالقبائل والمجتمع المحلي في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون عنصرًا حاسمًا في أي مرحلة قادمة. وإذا تمكنت القوات الحكومية من تحقيق اختراقات عسكرية حقيقية، وتزامن ذلك مع خطاب سياسي يطمئن المواطنين إلى مستقبلهم، فقد تتحول قطاعات اجتماعية واسعة من موقع الانتظار إلى موقع المشاركة في استعادة الدولة.
فالمواطن الذي يعيش تحت سلطة الحوثيين يحتاج إلى معرفة ما الذي ينتظره بعد التحرير، وكيف ستتعامل الدولة معه، وكيف ستُحمى حقوقه، وكيف ستُدار مؤسسات الدولة، وكيف ستتم معالجة آثار الحرب.
ولهذا فإن المعركة الوطنية الحقيقية يجب أن تشمل الجميع: الجندي، والقبلي، والمعلم، والطبيب، والمهندس، والإعلامي، والسياسي، ورجل الدين، والشباب والنساء. لكل فئة دورها، ولا يمكن اختزال استعادة الدولة في البندقية وحدها.
كما أن إدارة المعركة تحتاج إلى تطوير مستمر في الفكر العسكري. فالمواجهات المباشرة واستنزاف القوات في حرب المواقع قد تمنح الخصم فرصة لإعادة بناء تحصيناته وترتيب صفوفه. ولذلك فإن نجاح العمليات العسكرية يرتبط بقدرة القيادة على استثمار الجغرافيا، وتعدد المحاور، وعنصر المفاجأة، وسرعة استثمار أي اختراق ميداني.
فالقوات المسلحة لا تستطيع أن تحقق أهدافًا استراتيجية كبرى من دون هدف سياسي واضح، كما أن القرار السياسي لا يمكن أن يترجم إلى واقع دون مؤسسة عسكرية موحدة وقادرة على التنفيذ.
اليمنيون اليوم بحاجة إلى رؤية تتجاوز الخلافات القديمة، وتضع استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب في مقدمة الأولويات، ثم تترك الملفات السياسية الأخرى للنقاش ضمن دولة مستقرة ومؤسسات شرعية.
أما الاستمرار في أنصاف الحروب وأنصاف الحلول، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة وتأجيل جولة جديدة من الصراع.
والسلام الحقيقي ليس مجرد هدنة توقف إطلاق النار، وإنما سلام يضمن عدم عودة الحرب، ويضع حدًا لبناء جماعة مسلحة فوق مؤسسات الدولة، ويعيد القرار اليمني إلى مؤسسات وطنية مستقلة.
وفي نهاية المطاف، فإن صنعاء ليست مجرد مدينة أو هدف عسكري؛ إنها عنوان الدولة اليمنية ومركز قرارها السياسي. واستعادتها لا ينبغي أن تكون مشروع فئة أو منطقة، بل مشروعًا وطنيًا جامعًا.
كل الطرق تؤدي إلى صنعاء، لكن الطريق الأقصر إلى صنعاء هو توحيد القرار، وتعدد المحاور، وكسب الإنسان، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
فإذا التقت الإرادة الشعبية بالإرادة السياسية، وتكاملت معها القدرة العسكرية، فإن معركة استعادة الدولة تصبح أقرب إلى مشروع وطني متكامل، لا مجرد جولة جديدة من جولات الحرب.
المعركة ليست من أجل صنعاء وحدها، بل من أجل يمنٍ يستعيد دولته وسيادته، ويضع حدًا لسنوات الحرب والارتهان والصراع.