أخبار
توكل كرمان: العالم يعيش أزمة ضمير إنساني.. والأمل والمقاومة السلمية والحوار طريق الخلاص
متابعات.موسى المليكي.
قالت الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان إن العالم يمر بمرحلة تاريخية بالغة التعقيد تتسم بتصاعد الحروب والنزاعات المسلحة واتساع رقعة الاستقطاب السياسي وتراجع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، مؤكدة أن الأمل والمقاومة السلمية والحوار بين الشعوب والثقافات تمثل أدوات أساسية لمواجهة ما وصفته بـ"أزمة الضمير الإنساني" التي يشهدها العالم اليوم.
جاء ذلك في كلمة ألقتها خلال مهرجان إحياء الذكرى الـ500 لـ"حوارات بادن" بمدينة بادن، وهو الحدث الذي يستعيد واحدة من أبرز المحطات التاريخية في مسيرة الحوار الديني والفكري في أوروبا، حيث اجتمع قبل خمسة قرون ممثلون عن تيارات ومعتقدات مختلفة لمناقشة خلافاتهم عبر الحوار بدلاً من الصراع والعنف.
واستهلت كرمان كلمتها بالإشارة إلى الرمزية التاريخية للمناسبة، معتبرة أن الرسالة التي حملتها حوارات بادن قبل خمسة قرون لا تزال ذات صلة بالعالم المعاصر، الذي يواجه الأسئلة نفسها المتعلقة بإمكانية التعايش السلمي بين المختلفين، وقدرة المجتمعات على اختيار الحوار بدلاً من العنف، والحفاظ على القيم الإنسانية في ظل الأزمات المتصاعدة.
وقالت إن العالم يعيش اليوم "زمناً مضطرباً" تتداخل فيه الحروب مع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مشيرة إلى أن ما تشهده مناطق عدة من العالم، من اليمن إلى غزة، ومن السودان إلى إيران وأوكرانيا، لا يقتصر على كونه صراعات سياسية أو عسكرية، بل يعكس أزمة عميقة في منظومة القيم الإنسانية وفي قدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين وصون الكرامة البشرية.
وأضافت أن صور الأطفال الذين يُقتلون تحت الأنقاض، والمدن التي تُدمَّر، والشعوب التي تُهجَّر، والأصوات التي تُسجن وتُقمع، تكشف حجم التحديات التي تواجه العالم، منتقدة ما وصفته بحالة العجز أو التواطؤ أو تغليب المصالح السياسية على حياة البشر في التعامل مع كثير من الأزمات الإنسانية المعاصرة.
ورداً على تساؤلات متزايدة حول مستقبل العالم وإمكانية التغيير، شددت كرمان على أن الأمل لا يزال ممكناً، لكنها أوضحت أن الأمل الذي تتحدث عنه لا يقوم على التفاؤل المجرد أو تجاهل الواقع، بل على الإيمان بقدرة الإنسان على المقاومة والتغيير. وقالت إن التمسك بالإنسانية في أوقات القسوة، والدفاع عن الحرية رغم المخاطر، ورفض الكراهية في بيئات تغذي الانقسام، تمثل جميعها أشكالاً من المقاومة الأخلاقية التي تحفظ للمجتمعات قدرتها على النهوض.
وأكدت أن الأنظمة الاستبدادية والحروب تسعى غالباً إلى قتل الأمل قبل أي شيء آخر، لأن الشعوب التي تفقد ثقتها بإمكانية التغيير تصبح أكثر قابلية للاستسلام والخضوع، معتبرة أن الحفاظ على الأمل يمثل واجباً أخلاقياً وإنسانياً وليس مجرد خيار نفسي أو عاطفي.
وفي محور السلام والعدالة، قالت كرمان إن السلام الحقيقي لا يمكن اختزاله في مجرد وقف إطلاق النار أو غياب المواجهات العسكرية، مشيرة إلى أن السلام المستدام يرتبط بوجود العدالة وحماية الحقوق والحريات الأساسية. وأضافت أن السلام الذي يُبنى على القمع أو انتهاك حقوق الإنسان أو التمييز بين البشر لا يمكن أن يصمد طويلاً، لأنه يخفي أزمات عميقة سرعان ما تعود إلى السطح.
وتطرقت إلى مفهوم الشجاعة في عالم يزداد فيه الخوف وعدم اليقين، مؤكدة أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف وإنما القدرة على تجاوزه. واستشهدت بتجارب الثورات السلمية وحركات التحرر حول العالم، التي قادها مواطنون عاديون قرروا الدفاع عن كرامتهم وحقوقهم رغم التهديدات والمخاطر. كما أشادت بدور النساء والصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين واصلوا النضال في ظروف صعبة من أجل الحرية والعدالة.
وقالت إن ما تخشاه الأنظمة الاستبدادية ليس السلاح فقط، بل الإنسان الحر القادر على التفكير والتعبير والتنظيم، مؤكدة أن الوعي والكلمة والذاكرة الجماعية تمثل عناصر قوة حقيقية لدى الشعوب الساعية إلى التغيير.
وفي جانب آخر من كلمتها، حذرت كرمان من التحديات المرتبطة بالتطور التكنولوجي المتسارع، معتبرة أن التكنولوجيا التي استخدمت سابقاً في كسر حاجز الخوف ونقل الحقيقة إلى العالم أصبحت تُستخدم أيضاً من قبل بعض الأنظمة لأغراض المراقبة والتضليل والسيطرة على الفضاء العام. وأشارت إلى أن التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية والخوارزميات الرقمية تطرح تساؤلات متزايدة حول مستقبل الحقيقة وحرية التعبير في العصر الرقمي.
وأضافت أن المعركة في الوقت الراهن لم تعد تقتصر على الأرض أو ساحات القتال التقليدية، بل أصبحت تدور كذلك حول الوعي الإنساني وإمكانية الوصول إلى المعلومات وحماية الحق في التفكير الحر وتداول الحقيقة بعيداً عن التلاعب والتضليل.
ودافعت كرمان عن خيار المقاومة السلمية باعتباره الطريق الأكثر قدرة على الحفاظ على القيم الإنسانية أثناء السعي إلى التغيير السياسي والاجتماعي، مشيرة إلى أن الهدف لا يتمثل فقط في إسقاط الظلم، بل في بناء أنظمة ومجتمعات لا تعيد إنتاجه بأشكال جديدة.
وأكدت أن الحوار بين الأديان والثقافات والشعوب يمثل ضرورة عالمية في مواجهة تنامي الشعبوية والعنصرية وخطابات الكراهية، معتبرة أن الحضارات الكبرى عبر التاريخ لم تتشكل من خلال العزلة والانغلاق، وإنما عبر التفاعل والتبادل بين الشعوب والثقافات المختلفة.
كما دعت إلى إعادة الاعتبار لقيمة التعاطف الإنساني في عالم بات معتاداً على مشاهد الحروب والدمار، محذرة من أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في استمرار النزاعات، بل في فقدان البشر قدرتهم على رؤية بعضهم البعض ككائنات متساوية في الكرامة والحقوق.
وأشارت إلى أن مسؤولية حماية القيم الإنسانية لا تقع على الحكومات والمؤسسات الدولية وحدها، بل تشمل الأفراد أيضاً من خلال مواقفهم اليومية ودفاعهم عن الحقيقة والعدالة وتربيتهم للأجيال القادمة على احترام الإنسان وكرامته.
وفي ختام كلمتها، أعربت كرمان عن إيمانها بدور الشباب في صناعة مستقبل أكثر عدالة وإنسانية، داعية إلى الانتقال من مرحلة الاحتجاج على الواقع إلى مرحلة بناء البدائل والحلول القادرة على إحداث التغيير. كما وجهت رسالة إلى الشعوب التي تواجه الحروب والاستبداد، حثتها فيها على عدم الاستسلام لليأس، مؤكدة أن الحرية قد تتأخر لكنها لا تموت، وأن المستقبل سيكون لمن يواصلون الدفاع عن الكرامة والعدالة والإنسانية مهما طالت التحديات.
وقالت إن العالم يحتاج اليوم إلى مزيد من العدالة والشجاعة الأخلاقية أكثر من حاجته إلى الهيمنة والخوف، مؤكدة أن الدفاع عن الإنسان وقيم الحرية والكرامة يظل الطريق الوحيد لبناء عالم أكثر سلاماً وأمناً وإنصافاً.