أخبار
ثمانية أعوام من العطاء.. كيف أعاد مشروع نُسك فرحة العيد إلى آلاف الأسر اليمنية؟
تحقيق.موسى المليكي.
بدعم سعودي وتنفيذ خلية الأعمال الإنسانية للمقاومة الوطنية.. 15 ألف مستفيد في المحافظات المحررة ومشاهد إنسانية تعكس أهمية التكافل في مواجهة الأزمات
في أحد أحياء الساحل الغربي، كانت أم محمد تتابع أطفالها وهم يستعدون لاستقبال عيد الأضحى المبارك بفرحة بدت مختلفة هذا العام. فبعد سنوات من الظروف الاقتصادية الصعبة التي جعلت شراء الأضحية حلمًا بعيد المنال بالنسبة لعائلتها، وصلها نصيبها من مشروع "نُسك" للأضاحي، لتعود إلى منزلها بعض من أجواء العيد التي افتقدتها الأسرة طويلًا.
هذه القصة ليست حالة فردية، بل تمثل صورة مصغرة لواقع آلاف الأسر اليمنية التي استفادت من مشروع "نُسك" الذي نفذته خلية الأعمال الإنسانية للمقاومة الوطنية للعام الثامن على التوالي، بدعم وتمويل من المملكة العربية السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
وخلال أيام معدودة، تمكن المشروع من الوصول إلى نحو 15 ألف مستفيد من الأسر الفقيرة والنازحين والأيتام وذوي الدخل المحدود في عدد من المحافظات والمديريات المحررة، في خطوة هدفت إلى تخفيف جزء من المعاناة الإنسانية التي تعيشها تلك الأسر، وإحياء قيم التكافل والتضامن التي يمثلها عيد الأضحى المبارك.
اليمن والأزمة المعيشية المستمرة
يأتي تنفيذ المشروع في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية معقدة لا تزال تلقي بظلالها على حياة ملايين اليمنيين. فسنوات الحرب وما رافقها من تراجع اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض القدرة الشرائية أدت إلى تآكل مصادر الدخل لدى كثير من الأسر.
وباتت المناسبات الدينية التي كانت تمثل فرصة للاحتفال والتجمع العائلي تشكل تحديًا إضافيًا لكثير من المواطنين الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن توفير أبسط الاحتياجات الأساسية، ناهيك عن شراء الأضاحي وما يرتبط بها من تكاليف.
وفي مثل هذه الظروف، تبرز المبادرات الإنسانية الموسمية كوسيلة مهمة لدعم الأسر المحتاجة، ليس فقط من خلال توفير المساعدات الغذائية، وإنما أيضًا عبر إعادة إحياء الشعور بالمشاركة المجتمعية والتضامن الإنساني.
مشروع تجاوز مفهوم المساعدة التقليدية
رغم أن مشروع "نُسك" يندرج ضمن برامج توزيع الأضاحي الموسمية، إلا أن أثره يتجاوز مفهوم المساعدة الغذائية المباشرة.
فبالنسبة للأسر المستفيدة، تمثل الأضحية فرصة للاحتفال بالعيد بصورة طبيعية، وإدخال الفرح إلى نفوس الأطفال، وتعزيز الشعور بالمساواة الاجتماعية في ظل ظروف تجعل الكثير من العائلات عاجزة عن تأمين هذه الشعيرة الدينية.
ويرى مختصون في العمل الإنساني أن المشاريع المرتبطة بالمناسبات الدينية تمتلك أهمية مضاعفة، لأنها تجمع بين البعد الإغاثي والبعد النفسي والاجتماعي، وتسهم في تعزيز التماسك المجتمعي في أوقات الأزمات.
ثمانية أعوام من الاستمرارية
ما يميز مشروع "نُسك" ليس حجم المستفيدين خلال عام واحد فحسب، بل استمراريته على مدى ثمانية أعوام متتالية.
فالاستمرارية في العمل الإنساني تعد أحد أهم مؤشرات نجاح البرامج الإغاثية، إذ تمنح المجتمعات المستفيدة شعورًا بالثقة، وتسمح ببناء خطط أكثر فاعلية للوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وخلال الأعوام الماضية، تحول المشروع إلى موعد سنوي تنتظره آلاف الأسر في مختلف المناطق المستهدفة، حيث أصبح جزءًا من منظومة الدعم الإنساني التي تنفذها خلية الأعمال الإنسانية للمقاومة الوطنية.
من التخطيط إلى التنفيذ
خلف عمليات التوزيع التي يشاهدها المواطنون توجد منظومة عمل ميدانية متكاملة تبدأ قبل فترة من حلول عيد الأضحى.
وتشمل هذه المنظومة إعداد قوائم المستفيدين، وتحديث البيانات الميدانية، وتحديد المناطق ذات الأولوية، والتنسيق مع السلطات المحلية والقيادات المجتمعية، وصولًا إلى تنفيذ عمليات الذبح والتجهيز والتوزيع.
ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن نجاح مثل هذه المشاريع يعتمد بدرجة كبيرة على دقة التخطيط وقدرة الفرق الميدانية على الوصول إلى المناطق المستهدفة في الوقت المناسب.
وقد حرصت خلية الأعمال الإنسانية على تنفيذ المشروع وفق آليات منظمة هدفت إلى ضمان العدالة في التوزيع والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، مع إعطاء الأولوية للأيتام والأرامل والنازحين وذوي الاحتياجات الخاصة والأسر محدودة الدخل.
انتشار جغرافي واسع
شملت عمليات تنفيذ المشروع مديريات الساحل الغربي في محافظتي تعز والحديدة، إضافة إلى محافظات عدن ولحج ومناطق محررة أخرى.
ويعكس هذا الانتشار الجغرافي الواسع حجم الجهد اللوجستي المطلوب لتنفيذ المشروع، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالبنية التحتية وصعوبة التنقل في بعض المناطق.
كما يعكس حرص الجهات المنفذة على توسيع دائرة المستفيدين وعدم حصر التدخلات الإنسانية في نطاق جغرافي محدود.
الدعم السعودي.. شراكة إنسانية مستمرة
يحمل مشروع "نُسك" بعدًا آخر يتمثل في الشراكة الإنسانية القائمة بين المملكة العربية السعودية واليمن عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
وخلال السنوات الماضية، لعب المركز دورًا محوريًا في تنفيذ وتمويل العديد من البرامج الإنسانية والتنموية التي استهدفت مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك الأمن الغذائي والصحة والتعليم والمياه والإيواء والحماية.
ويؤكد مراقبون أن هذه المشاريع أسهمت في التخفيف من آثار الأزمة الإنسانية ودعم المجتمعات المحلية في مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.
كما ساعدت في تعزيز قدرة الأسر على الصمود، خصوصًا في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات وارتفاع معدلات الفقر.
قصص من الميدان
في كثير من الأحيان، تعجز الأرقام عن التعبير الكامل عن الأثر الحقيقي للمشاريع الإنسانية.
فالحديث عن 15 ألف مستفيد قد يبدو رقمًا كبيرًا، لكنه يتحول إلى واقع ملموس عندما يُترجم إلى آلاف الوجوه التي استعادت فرحة العيد.
في إحدى مناطق الساحل الغربي، وقف أب لخمسة أطفال أمام فريق التوزيع وهو يعبر عن امتنانه لوصول الأضحية إلى أسرته، مؤكدًا أن الظروف الاقتصادية جعلت من المستحيل تقريبًا شراء أضحية هذا العام.
وفي منطقة أخرى، تحدثت أم نازحة عن شعورها بالسعادة وهي ترى أبناءها يشاركون أجواء العيد مثل بقية الأطفال بعد حصول الأسرة على نصيبها من المشروع.
وتتكرر مثل هذه المشاهد في مختلف مناطق التوزيع، حيث يترك المشروع أثرًا يتجاوز قيمة المساعدة المادية ليصل إلى الجوانب النفسية والاجتماعية للأسر المستفيدة.
إشادة محلية ومجتمعية
لقي المشروع إشادة واسعة من السلطات المحلية والقيادات المجتمعية والشخصيات الاجتماعية في المناطق المستفيدة.
وأكد مسؤولون محليون أن المشروع جاء في توقيت مهم، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، مشيرين إلى أن مثل هذه المبادرات تسهم في تخفيف جزء من المعاناة التي تواجهها آلاف الأسر.
كما أشادوا بالدعم المقدم من المملكة العربية السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وبالجهود التي تبذلها خلية الأعمال الإنسانية للمقاومة الوطنية في تنفيذ البرامج الإغاثية والتنموية.
ما بعد الأضاحي.. منظومة تدخلات متكاملة
لا يمثل مشروع "نُسك" سوى جانب واحد من الأنشطة التي تنفذها خلية الأعمال الإنسانية للمقاومة الوطنية.
فعلى مدار العام، تعمل الخلية في عدد من القطاعات الحيوية، تشمل الإغاثة الطارئة والرعاية الصحية والتعليم والمياه والإصحاح البيئي والإيواء والتنمية المجتمعية.
وخلال السنوات الماضية، تمكنت من تنفيذ عشرات المشاريع التي استهدفت مئات الآلاف من المستفيدين، ما جعلها واحدة من أبرز الجهات الإنسانية العاملة في المناطق المحررة.
ويرى مختصون أن تنوع التدخلات الإنسانية يعد عنصرًا أساسيًا في تحقيق أثر مستدام، إذ لا تقتصر الجهود على معالجة الاحتياجات الطارئة فحسب، بل تمتد إلى دعم القطاعات التي تسهم في تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.
البعد الإنساني للأعياد
تحمل الأعياد في المجتمعات العربية والإسلامية أهمية تتجاوز الجانب الديني، إذ تمثل مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية ونشر قيم التكافل والتراحم.
لكن الأزمات الاقتصادية قد تحرم كثيرًا من الأسر من الاستمتاع بهذه المناسبة بالشكل الذي تتمناه.
ومن هنا تبرز أهمية المشاريع الإنسانية المرتبطة بالمواسم الدينية، باعتبارها وسيلة لإعادة جزء من التوازن الاجتماعي، ومنح الأسر المحتاجة فرصة للمشاركة في أجواء العيد.
رسالة أمل في زمن التحديات
في بلد يواجه تحديات اقتصادية وإنسانية معقدة، تظل المبادرات الإنسانية إحدى أهم الأدوات القادرة على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس.
ومع اختتام مشروع "نُسك" للعام الثامن على التوالي، تتجدد الرسالة ذاتها: أن العمل الإنساني المنظم، المدعوم بالشراكات الفاعلة والتخطيط السليم، قادر على الوصول إلى المحتاجين وإحداث أثر ملموس في حياتهم.
وربما لا تنهي أضحية واحدة معاناة أسرة بأكملها، لكنها تمنحها شعورًا بأن هناك من يمد لها يد العون، وأن قيم التضامن والتكافل ما تزال حاضرة وقادرة على صنع الفارق.
وفي نهاية المطاف، تبقى القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات في قدرتها على رسم الابتسامة على وجوه الأطفال، وإعادة الأمل إلى نفوس الأسر، وتجسيد المعاني النبيلة التي يحملها عيد الأضحى المبارك في صورته الإنسانية الأجمل.