تقارير خاصة
رحيل المشير هادي.. رجل الشرعية والجمهورية والحوار الوطني
بقلم/ ا.د. سمير طارش
رحل اليوم الرئيس اليمني السابق المشير عبدربه منصور هادي، الرجل الذي حمل أمانة اليمن في واحدة من أصعب وأخطر المراحل التي مرت على وطننا.
بعد أحداث عام 2011، وفي لحظة تاريخية كانت البلاد فيها تقف على حافة الانهيار والانقسام، أعلن الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح تنازله عن السلطة، وتم الاتفاق على نقل القيادة بشكل سلمي عبر المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ليتم انتخاب الرئيس عبدربه منصور هادي عبر استفتاء وانتخابات توافقية واسعة شارك فيها اليمنيون، في مشهد أراد له الجميع أن يكون بداية عبور نحو دولة مدنية حديثة تحفظ كرامة اليمنيين وتجنب البلاد الفوضى والحرب.
تحمل الرئيس هادي مسؤولية قيادة اليمن في ظروف بالغة التعقيد، وقاد المرحلة الانتقالية حتى عام 2014، وهي المرحلة التي شهدت انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ذلك المشروع التاريخي الذي جمع كل مكونات وأطياف اليمن السياسية والاجتماعية، وانتهى بوثيقة الحوار الوطني التي أجمعت عليها الأحزاب والقوى الوطنية، ورسمت ملامح دولة اتحادية عادلة، تقوم على الشراكة وتوزيع السلطة والثروة، وتحافظ على وحدة اليمن بعيدًا عن الهيمنة والطائفية والاستبداد.
لكن وفي سبتمبر 2014، اجتاحت مليشيات الحوثي المدعومة من إيران العاصمة صنعاء بعد حروب دامية، دمرت خلالها القرى والبيوت، وفجرت المساجد، وقتلت الآلاف من اليمنيين في طريقها نحو السيطرة على الدولة ومؤسساتها بقوة السلاح والإرهاب.
ثم بدأت مرحلة حصار الرئيس هادي ومحاولة إخضاع الدولة بالكامل للمشروع الكهنوتي الطائفي.
حوصر الرئيس في منزله بصنعاء، وقُتل عدد من حراسه والمقربين منه، ومورست عليه مختلف أنواع الضغوط والتهديدات لتمرير قرارات تكرّس سيطرة المليشيا على مؤسسات الدولة، لكنه رفض أن يكون غطاءً لانقلاب دموي أو أداة بيد مشروع دخيل على اليمن وهويته الجمهورية.
وفي لحظة كان الجميع ينتظر منه الاستسلام، قدّم استقالته ورفض التوقيع على ما يمس سيادة الدولة وكرامة اليمنيين، ثم تمكن بشجاعة نادرة من الإفلات من قبضة المليشيا والوصول إلى عدن، معلنًا استمرار الشرعية والدفاع عن الجمهورية واستعادة الدولة.
تعرض لمحاولات اغتيال وقصف داخل قصر الرئاسة، وعبر الصحارى والطرق الخطرة حتى وصل إلى المملكة العربية السعودية، التي احتضنت اليمنيين الأحرار وساندت معركة استعادة الأمل في مواجهة المشروع الإيراني الكهنوتي.
الرئيس هادي لم يكن قائد مرحلة سهلة، بل قائد مرحلة مليئة بالمؤامرات والانقسامات والحروب والخذلان، ومع ذلك بقي متمسكًا بفكرة الدولة والجمهورية واليمن الاتحادي العادل.
ومن أعظم ما سيُذكر له قيادته لمؤتمر الحوار الوطني، ذلك المشروع الذي حاول أن ينقل اليمن من الصراعات التاريخية إلى دولة المواطنة والشراكة والعدالة.
رحل الرجل بعد سنوات طويلة من الصبر والتحمل والضغوط، ودفع أثمانًا شخصية ووطنية كبيرة، وظل متمسكًا بحق اليمنيين في دولتهم وكرامتهم.
رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي رحمة واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والأبرار.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ا.د. سمير طارش
اكاديمي يمني