تقارير خاصة
أعيادٌ بلا فرحة.. كيف يخوض آباء تعز معارك قاسية لإسعاد أطفالهم في عيد الأضحى؟
قبل أيام قليلة من حلول عيد الأضحى المبارك، تبدو شوارع مدينة تعز مزدحمة بالناس والأسواق والضجيج، لكن خلف هذا المشهد المعتاد تختبئ حكايات موجعة لآباء وأمهات يخوضون معارك يومية قاسية في مواجهة الغلاء والانهيار الاقتصادي، فقط من أجل أن لا ينكسر قلب طفل ينتظر ثياب العيد.
في كل زاوية من أسواق المدينة، تتكرر المشاهد نفسها؛
أب يقف طويلًا أمام واجهة محل ملابس، يقلب الأسعار بعينيه أكثر مما يقلب القطع بيديه، ثم يخرج بصمت بعدما يكتشف أن راتب شهر كامل لم يعد يكفي لشراء بدلتين لطفليه.
وأم تحاول إقناع طفلها بأن “هذا الثوب جميل أيضًا” بينما تخفي ارتجافة الحزن في صوتها لأنها تعلم أنها لا تستطيع شراء ما يريده.
العيد الذي كان يومًا موسمًا للفرح، تحول عند كثير من الأسر إلى موسم للقلق والحسابات المؤلمة.
أسعار تحرق قلوب الآباء قبل جيوبهم
في أسواق التحرير و26 سبتمبر والمحال التجارية المنتشرة في المدينة، ترتفع لافتات التخفيضات وعروض العيد بألوان زاهية تجذب الأطفال، لكن الواقع خلف تلك الواجهات أكثر قسوة مما يبدو.
فأسعار ملابس الأطفال شهدت هذا العام ارتفاعًا غير مسبوق، إذ قفز سعر البدلة الواحدة من نحو 30 إلى 35 ألف ريال العام الماضي، إلى ما بين 50 و60 ألف ريال هذا الموسم، في مدينة يعيش أغلب سكانها أوضاعًا اقتصادية خانقة.
ومع كل ارتفاع جديد، يشعر الآباء أن العيد يتحول إلى عبء ثقيل بدل أن يكون مناسبة للفرح.
يقول أحد المواطنين وهو يتأمل أسعار الملابس في أحد المحال:أصبحت أدخل السوق وأنا أعرف مسبقًا أنني لن أشتري شيئًا… فقط أحاول أن أبحث عن أي قطعة تناسب قدرتي حتى لا يعود أطفالي مكسوري الخاطر”.
أما الأمهات، فمعاناتهن أكثر تعقيدًا، لأنهن يواجهن دموع الأطفال وأسئلتهم البريئة التي لا تعرف شيئًا عن انهيار العملة ولا الجمارك ولا الأزمات الاقتصادية.
تقول إحدى الأمهات:الطفل يرى الألوان والأشكال فقط… لا يفهم لماذا أصبح ثوب العيد حلمًا صعبًا”.
الغربة لم تعد تنقذ أحدًا
في السابق، كان كثير من الآباء يعتمدون على الاغتراب لتجاوز مواسم الأعياد وتأمين احتياجات أسرهم، لكن حتى هذا الخيار لم يعد كما كان.
فمع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة في الداخل والخارج، أصبح كثير من المغتربين بالكاد قادرين على إرسال ما يكفي لأسرهم.
وباتت معركة العيد بالنسبة لكثير من الأسر تبدأ قبل أسابيع؛كيف يتم توفير الملابس؟
كيف يتم شراء الأضحية؟
كيف يمكن إخفاء العجز عن الأطفال؟
أسئلة موجعة تتكرر داخل آلاف البيوت في تعز.
الأسواق الشعبية.. الملاذ الأخير للفقراء
ومع اشتعال الأسعار في المحال التجارية، تتجه أعداد كبيرة من المواطنين نحو الأسواق الشعبية، التي أصبحت بالنسبة للفقراء طوق نجاة حقيقيًا.
في سوق “المخلولة” والأسواق الشعبية الأخرى، تتزاحم الأسر بحثًا عن ملابس مستعملة أو منخفضة الجودة بأسعار تناسب إمكانياتهم المحدودة.
هناك، تختلف معايير الشراء تمامًا؛
لا أحد يسأل عن “الماركة”، ولا عن “الموضة”، بل السؤال الوحيد:
“بكم هذه؟”
البسطات تعرض أربع قطع ملابس بألف ريال فقط، بينما تباع بعض القطع الأخرى بألفي ريال، وسط إقبال متزايد من الأسر التي لم تعد قادرة على دخول المحال التجارية الحديثة.أبو خالد، أحد باعة الملابس المستعملة، يقول إن الإقبال هذا العام أكبر من أي وقت مضى، موضحًا أن كثيرًا من العائلات لم تعد تجد خيارًا آخر غير الملابس المستعملة.
ويضيف:الناس لم تعد تبحث عن الجديد… الناس تبحث عن الأرخص”.
أما عبدالله سلطان، وهو صاحب محل آخر للملابس المستعملة، فيؤكد أن السوق الشعبي أصبح المتنفس الوحيد للفقراء، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار بشكل يومي.
أمهات بين الخجل والقهر
وسط الزحام، تقف الأمهات في معركة نفسية قاسية؛
يحاولن اختيار أفضل ما يمكن بأقل تكلفة، بينما يراقبن نظرات أطفالهن المعلقة بالملابس الجديدة المضيئة خلف الزجاج.
تقول أم صلاح إنها أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على الملابس المستعملة بسبب وضع أسرتها الاقتصادي، مؤكدة أن الأسعار في المحلات “أصبحت فوق قدرة الناس”.
أما أم هاشم فتقول بحسرة:
“كنا نشتري لأولادنا الجديد كل عيد… اليوم أصبح همّنا فقط أن نسترهم”.هذه الجملة تختصر حجم التحول المؤلم الذي تعيشه الأسر في المدينة.
حين يتحول العيد إلى عبء نفسي
الأزمة لم تعد مادية فقط، بل تحولت إلى ضغط نفسي هائل على الآباء والأمهات.
كثير من الآباء يشعرون بالعجز حين يعجزون عن تلبية أبسط رغبات أطفالهم، خاصة في مناسبة ينتظرها الصغار بشغف طوال العام.
ويؤكد مختصون اجتماعيون أن استمرار الضغوط الاقتصادية بهذا الشكل يخلق آثارًا نفسية عميقة داخل الأسرة، ويحوّل الأعياد من مواسم فرح إلى مواسم توتر واكتئاب وقلق.
فالأب الذي لا يستطيع شراء ثياب العيد لطفله، لا يشعر فقط بالعجز المالي، بل يشعر بأن كرامته نفسها أصبحت مثقلة بالفقر.
مخاطر صحية تلاحق الفقراء
ورغم أن الملابس المستعملة أصبحت خيارًا إجباريًا لكثير من الأسر، إلا أن المخاوف الصحية ما تزال حاضرة بقوة.
فبعض المواطنين يحذرون من شراء الملابس المستعملة دون تعقيم، خوفًا من انتقال الأمراض الجلدية والفطريات، خصوصًا للأطفال.
ويؤكد أطباء مختصون أن بعض الملابس، خاصة الصوفية والمخزنة لفترات طويلة، قد تنقل التهابات جلدية إذا لم يتم تنظيفها وتعقيمها جيدًا.
وينصح الأطباء بضرورة غسل الملابس بالماء الساخن أو كيّها جيدًا قبل استخدامها، أو وضعها داخل أكياس مغلقة لعدة أيام للتقليل من احتمالية انتقال العدوى.
صمت رسمي وغضب شعبي
في موازاة ذلك، تتصاعد حالة الغضب الشعبي في تعز بسبب استمرار ارتفاع الأسعار دون أي تدخل فعّال من الجهات المعنية.
ويقول ناشطون إن الأسعار ترتفع بشكل شبه يومي، بينما يغيب الدور الرقابي تمامًا، في ظل انهيار القدرة الشرائية للمواطنين.
ويطالب المواطنون السلطات المحلية بالتحرك العاجل لضبط الأسواق والتخفيف من معاناة الناس، بدل الاكتفاء بالصمت أمام موجة الغلاء التي تلتهم ما تبقى من قدرة الأسر على الحياة.
العيد لم يمت… لكنه أصبح حزينًا
ورغم كل شيء، يحاول الآباء في تعز التمسك بما تبقى من معنى العيد.
يحاولون أن يزرعوا الفرح في قلوب أطفالهم ولو بوسائل بسيطة، حتى وإن كانوا هم أنفسهم يعيشون تحت ضغط لا يُحتمل.
فهنا، في هذه المدينة المنهكة بالحرب والفقر والخذلان، لا يخوض الآباء معركة شراء ملابس فقط، بل يخوضون حربًا يومية من أجل حماية فرحة أطفالهم الصغيرة من الانكسار.
وفي النهاية، قد لا يتذكر الطفل سعر الثوب بعد سنوات، لكنه سيتذكر جيدًا ذلك الأب الذي حاول، رغم الفقر والغلاء والانهيار، أن يصنع له عيدًا يشبه الأحلام ولو للحظات قليلة.