منوعات
فؤاد عبدالقادر ورحيل جيلٍ كامل من الحالمين
في ليلة الذكرى السادسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية، تتزاحم في القلب مشاعر الفخر والحزن معًا.
فبينما نستعيد حلم اليمن الكبير الذي توّج نضالات ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين، نفجع برحيل واحد من أولئك اليمنيين البسطاء العظماء الذين لم يصنعوا الضجيج، لكنهم صنعوا في أرواح من عرفوهم أثرًا لا يُنسى.
رحل الأستاذ فؤاد عبدالقادر…
ذلك الإنسان الرقيق الودود، ابن الحركة الكشفية، وابن التنظيم الناصري، والكاتب الساخر الذي كان يحمل وجع اليمنيين خلف ابتسامته، والباحث في شؤون القرن الأفريقي، العاشق لإرتيريا التي كان يحدثنا عنها بشغف العارف المحب.
كان فؤاد من تلك الشخصيات النادرة التي تمنحك السعادة بمجرد الجلوس معها.
بسيطًا حد النبل، خفيف الروح، صادق الضحكة، متواضعًا دون تكلّف، وإن تحدث أنصت الجميع، لا لأن صوته مرتفع، بل لأن روحه كانت أعمق من الضجيج.
لكن فؤاد، ومثله آلاف العلماء والأكاديميين والصحفيين والسياسيين وقادة الرأي في اليمن، لم يمت وحده.
لقد مات قهرًا، كما يموت اليمنيون منذ نكبة ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ تحت وطأة الظلم والاختناق وسحق الكرامة.
منذ أن انقلبت المليشيات الإيرانية المسلحة على الدولة بقوة السلاح، واختطفت اليمن أرضًا وإنسانًا، تحوّل الوطن إلى رهينة كبيرة.
مورس على الشعب كل أشكال القهر والإفقار والتجويع الممنهج.
نُهبت الحقوق، سُلبت المرتبات، انهارت العملة، تبخرت المدخرات، وضاقت الحياة حتى على أصحاب العلم والمكانة والخبرة.
أصبح الأستاذ الجامعي عاجزًا عن إعالة أسرته، والكاتب عاجزًا عن شراء الدواء، والصحفي مطاردًا بالفقر، والمفكر مهددًا بالصمت أو الانكسار.
مات الناس كمدًا قبل أن يموتوا مرضًا.
وشُلّت قدرة اليمنيين على العطاء والإبداع والعمل، بعدما سُرقت منهم الدولة والحياة والأمل.
وحين أنظر اليوم إلى رحيل فؤاد، أتذكر بحزن الأستاذ أمين العبسي الراقد على فراش المرض منذ سنوات وهو واحد من اهم كوادر جامعة صنعاء الاداريين الذي ترك بصمة له في كل كلية كان يوميا اداريا فيها وامينا عام لها لا يتردد ثانية عن خدمة كل من يلجأ اليه كان طالبا او اكاديما بصدق ونقاء وشرف، وأرثي بحزن شديد زملائي أساتذة الجامعات الذين يتساقطون واحدًا تلو الآخر في عز عطائهم، وكأن رصاصة خفية تطلقها يوميًا سموم الجماعة الإيرانية المسلحة، بحقدها الدفين على اليمنيين وتاريخهم وهويتهم.
لقد ظن اليمنيون يومًا أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 قد طوت إلى الأبد صفحة الإمامة والاستبداد والعنصرية، وأن الجمهورية انتصرت نهائيًا لصالح الإنسان اليمني الحر.
لكننا اكتشفنا، بعد عقود، أن الإمامة عادت بثوب جديد، محمّلة بكل أحقاد القرون، مستندة إلى وهم السلالة والحق الإلهي في الحكم، ومتغذية من مشروع دخيل على وجدان اليمنيين وتاريخهم العربي.
إن الرسالة المحمدية التي نؤمن بها هي رسالة عدل وكرامة ومساواة، لا رسالة استعلاء واستعباد وعنصرية.
وما يسمى “الحق السلالي” ليس سوى محاولة لإعادة اليمن إلى كهوف الظلام التي أسقطها اليمنيون بدمائهم وتضحياتهم.
وفي هذه الليلة، ليلة الوحدة اليمنية، نستحضر المعنى الحقيقي لثورتي سبتمبر وأكتوبر؛
الثورتين اللتين خلصتا اليمن من حكم الإمامة الكهنوتي، ومن الاستعمار، وفتحتا باب الدولة الحديثة والحلم الجمهوري الكبير.
ورغم كل الجراح، سيبقى اليمن أكبر من الخراب، وأبقى من المليشيات، وأعمق من مشاريع الكراهية والطائفية.
سيبقى وطنًا يستحق الحياة، ويحلم به أبناؤه مهما أثقلتهم الخيبات.
رحم الله فؤاد عبدالقادر…
ورحم جيلًا كاملًا يُستنزف بصمت، بينما لا يزال يحمل في قلبه حب اليمن حتى اللحظة الأخيرة.
ومن أعماق القلب نردد:
اليَمَنُ بِلادُنا … وَعِزُّها عِزٌّ لَنا
فَرَدِّدي أَجْيالَنا … وَاسْلَمي يا يَمَن