تقارير خاصة
تلازمية الخيانة وفشل الرهان: قراءة في ثقوب الذاكرة السياسية
بقلم: أبو قيس محسن العيسائي
يُقال إن التاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة، لكننا في هذا الوطن الحزين، جعلنا من التاريخ "دائرة مفرغة" نعيد إنتاج مآسيها بوعيٍ معطل. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد صدفة سياسية، بل هو استنساخ كربوني لخطايا الماضي، وتجسيد حي لمقولة "ما أشبه الليلة بالبارحة".
بالعودة إلى عام الانكسار 1994، لم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل كانت "هزيمة أخلاقية" لطبقة من المنتفعين الذين ترعرعوا في كنف الحزب الاشتراكي. أولئك الذين أطعمهم الحزب من جوع، وآمنهم من خوف، ومنحهم "صكوك الامتيازات" ومفاتيح القرار؛ كانوا هم أول من طعنه في ظهره حين حشرجت الأنفاس.
لقد رأينا "ديناصورات المصلحة" يهرعون للارتماء في أحضان الخصوم، باحثين عن كراسيّهم الملوثة على جثث الرفاق وأطلال المشروع.
لم يكن ذنبهم الخيانة، فالخيانة "جينٌ وظيفي" في عروق المرتزقة، بل كان الذنب ذنب المؤسسة التي استبدلت "أهل الثقة والمبادئ" بـ "أهل الولاء والمصالح"، وأغدقت العطايا على وجوهٍ تعرف جيداً تاريخها الملطخ بالمؤامرات.
اليوم، ونحن نراقب المشهد السياسي في الجنوب، نجد أن "المجلس الانتقالي" قد سار—بخطىً وئيدة—نحو ذات الفخ التاريخي. إن المشهد الذي كان يتصدره "صعاليك السياسة" و"هواة الغنيمة" كان نذير كارثة محققة.
إن سياسة "التدليل" التي مارسها الانتقالي تجاه شخصيات لم تعرف يوماً معنى النضال الحقيقي، وتقديمهم على حساب الشرفاء الصناديد الذين لم تلوثهم الإغراءات، كان "انتحار سياسي" بطيء.
هؤلاء المتسلقون الذين ينخرون اليوم عظم الانتقالي، ليسوا إلا صدىً لأولئك الذين غدروا بالاشتراكي من قبل؛ فالبطون التي اعتادت السُحت لا تشبع من الوفاء، والذمم التي عُرضت في "سوق النخاسة" لا تعرف قيمة الوطن.
إننا نعيش اليوم ذات المرارة ونشعر بذات الاختناق؛ ليس خوفاً من الخصوم، بل رعباً من "السوس" الذي ينخر الجسد من الداخل. إن الرهان على "المرتزقة" كان رهانٌ بائس على سراب، والوطن الذي يُبنى بأيدي "المؤلف قلوبهم بالمناصب" هو وطنٌ مهدد بالانهيار عند أول منعطف.
إن من لا يقرأ التاريخ بعين الناقد، يُحكم عليه أن يعيش مآسيه "ضحيةً" في كل مرة.
إن الشرفاء والمناضلين الحقيقيين هم الصمام الوحيد للأمان، أما أولئك "المنفوشون" بالامتيازات، فهم أول من سيقفز من السفينة حين تتقاذفها الأمواج..